حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
219
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
إلى إنسان أول ضرورة امتناع القول بوجود حوادث لا أول لها . وقد أجمع المفسرون على أنه آدم عليه السلام ، ورأيت في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر رضي اللّه عنه أنه قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر ، وكيف كان فلا بد من إنسان هو أول الناس . والأقرب أنه تعالى خلق آدم من تراب ثم من طين ثم من حمأ مسنون ثم من صلصال كالفخار . وقد كان قادرا على خلقه من أيّ جنس من الأجسام كان ، بل كان قادرا على خلقه ابتداء . وإنما خلقه على هذا الترتيب لمحض المشيئة ، أو لما كان فيه من زلة الملائكة والجن ، أو لغير ذلك من المصالح ، ولا شك أن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه ، والصلصال الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوّت وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار . وقيل : هو تضعيف صل إذا أنتن . والحمأ الأسود المتغير من الطين ، وكذلك الحمأة بالتسكين . والمسنون المصوّر من سنة الوجه أي صورته قاله سيبويه . وقال أبو عبيدة : المسنون المصبوب المفرغ أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصورة من الجواهر المذابة . وقال ابن السكيت : سمعت أبا عمرو يقول : معناه متغير منتن وكأنه من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به فالذي يسيل منهما سنين ولا يكون إلا منتنا . قال في الكشاف : قوله : مِنْ حَمَإٍ صفة صلصال أي خلقه من صلصال كائن من حمأ . قلت : ولا يعبد أن يكون بدلا أي خلقه من حما . قال : وحق مسنون بمعنى مصوّر أن يكون صفة لصلصال كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ، ثم غيره بعد ذلك إلى جوهر آخر . قوله : وَالْجَانَّ قال الحسن ومقاتل وقتادة وهو رواية عطاء عن ابن عباس يريد إبليس . - وعن ابن عباس - في رواية أخرى : هو أبو الجن كآدم أبي الناس وهو قول الأكثرين . والتركيب يدل على السبق والتواري عن الأعين وقد مر فيما سلف ولا سيما في تفسير الاستعاذة في أول الكتاب خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ قال ابن عباس : أي من قبل خلق آدم و السَّمُومِ الريح الحارة النافذة في المسام تكون في النهار وقد تكون بالليل . ومسام البدن الخروق الخفية التي يبرز منها العرق وبخار الباطن ، ولا شك أن تلك الريح فيها نار ولها لفح على ما ورد في الخبر أنه لفح جهنم . قال ابن مسعود : هذه السموم جزءا من سبعين جزءا من سموم النار التي خلق اللّه منها الجان . ولا استبعاد في خلق اللّه الحيوان من النار فإنا نشاهد السمندل قد يتولد فيها . وعلى قاعدة الحكيم : كل ممتزج من العناصر فإنه يمكن أن يغلب عليه أحدها ، وحينئذ يكون مكانه مكان الجزء الغالب والحرارة مقوية للروح لا مضادة لها . ثم إنه لما استدل بحدوث الإنسان الأول على كونه قادرا مختارا ذكر بعده واقعته . والمراد بكونه بشرا أنه يكون جسما كثيفا يباشر ويلاقي ، والملائكة والجن لا يباشرون للطافة أجسامهم .